الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
50
انوار الأصول
كان الضرر المحتمل مهمّاً بلزوم الدفع كضرر النفس أو العرض أو المال الكثير فلا محالة يستكشف منه حكم شرعي مولوي بلزوم الاجتناب عنه بقاعدة الملازمة ، ويصير هذا بنفسه بياناً يرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان وتكون قاعدة دفع الضرر المحتمل في مثل هذا المورد واردة على هذه القاعدة ، ولكن لا تجري هذه القاعدة بالنسبة إلى الأضرار غير المهمّة ، فلا يثبت بها مراد المستشكل ، هذا بناءً على مبنى القول من كونها قاعدة عقليّة ، وأمّا بناءً على ما اخترناه من كونها قاعدة عقلائيّة فالأمر أوضح لأنّ بناء العقلاء جارٍ على عدم الاعتناء باحتمال الضرر إلّا أن يكون ضرراً هامّاً كما مرّ نظيره في حكم العقل بناءً على مبنى القوم . وأمّا الصغرى : فلوجود الملازمة بين المفسدة والضرر وبين المصلحة والمنفعة في جميع الموارد ، والعجب من مثل شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله حيث قال بعدمها في البحث عن قاعدة لا ضرر ، لأنّ مثل الإنفاق في سبيل اللَّه يوجب رفع العداوة والبغضاء ودفع الفوضى في المجتمع الإنساني ، وعدم الإنفاق وبالنتيجة وجود الفقر يوجب اختلال النظام وهلاك جميع الأفراد حتّى الممتنع من الإنفاق وضياع جميع الأموال حتّى أموال الممتنع . ولذلك قد ورد في الحديث : « حصّنوا أموالكم بالزكاة » وفي حديث آخر « إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه » ( ومن المعلوم أنّه إذا باع آخرته بدنياه لا يمتنع عن أي جرم من السرقة وقتل النفوس وإضاعة الأموال وغيرها ) . بقي هنا شيء : وهو أنّ بعض الأعاظم أجاب عن الإشكال بالنقض « باتّفاق العلماء من الأصوليين والأخباريين بل العقلاء أجمع على عدم لزوم الاجتناب عمّا يحتمل وجود المفسدة فيه في الشبهة الموضوعيّة وأنّه لو كان العقل مستقلًا بوجوب دفع المفسدة المحتملة كان الاحتياط واجباً فيها أيضاً إذ لا فرق بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة من هذه الجهة » « 1 » . وقال في تهذيب الأصول : « أضف إلى ذلك : أنّ الشبهة الموضوعيّة والوجوبيّة مشتركتان مع الشبهة التحريميّة في هذه التوالي المدّعاة ، فلو كانت للأفعال لوازم قهرية مؤذية لصاحبها
--> ( 1 ) راجع مصباح الأصول : ج 2 ، ص 288 .